عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
244
اللباب في علوم الكتاب
بالدليل ؛ لأنه أخبر عنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 74 ] . الثالث : حكي عنه أنه دعا أباه إلى التّوحيد ، وترك عبادة الأصنام بالرّفق حيث قال : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] وحكي في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد ، وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن ، ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى اللّه ، فإنه يقدّم الرّفق على العنف ، ولا يخوض في التّغليظ إلا بعد اليأس التام ، فدلّ على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه مرارا ، ولا شكّ أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهمّ نفسه ، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه اللّه ملكوت السّموات والأرض ، ومن كان منصبه في الدّين كذلك ، وعلمه باللّه كذلك ، فكيف يليق به أن يعتقد ألوهيّة الكواكب ؟ الرابع : أنّ دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من وجوه كثيرة ، ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقلّ العقلاء نصيبا من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء ، وأعلم العلماء ؟ الخامس : أنه قال في صفته إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الصافات : 84 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ [ الأنبياء : 51 ] أي : آتيناه رشده من قبل أوّل زمان الفكرة وقوله « وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ » أي بطهارته وكماله ، ونظيره قوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] . السادس : قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي : بسبب تلك الإراءة يكون من الموقنين ، ثم قال بعده : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ و « الفاء » تقتضي الترتيب ، فدلّت الفاء في قوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ على أن هذه الواقعة حصلت بعد أن صار من الموقنين العارفين بربّه . السابع : أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع قومه ، لأنه - تعالى - لما ذكر هذه القصّة قال : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ الأنعام : 83 ] ولم يقل : على نفسه ، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه ؛ لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد ، لا لأجل أن إبراهيم - عليه السلام - كان يطلب الدّين والمعرفة لنفسه . الثامن : أن قولهم : إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والشمس والقمر حال كونه في الغار باطل ؛ لأن لو كان الأمر كذلك ، فكيف يقول : يا قوم إني بريء مما تشركون ، مع أنه كان في الغار لا قوم ولا صنم . التاسع : قوله تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [ الأنعام : 80 ] . فكيف يحاجّونه وهم لم يروه ولم يرهم ، وهذا يدلّ على أنه - عليه الصّلاة والسلام